وصلني اليوم هذا الـ "إيميل" من صديق وأخ عزيز على قلبي ، أعرفه منذ 8 سنوات أويزيد ، فما علمته إلا رجلاً عند المواقف ، طيباً ، أبيضَ القلب ، نقي السريرة ، ما إن تجالسه حتى تضحك ملئ قلبك ، وما إن يترنم بآياتِ اللهِ عز وجل حتى تذرف بدمعِ الخشية مع ما أوتيه من جمالِ الصوت وحُسن التلاوة والتدبر ، رجلٌ يصل وإن قُطِع ، رجلٌ يُحِب وإن جُوفي ، فـ الحمدُ لمولاي أن يسرَ لي معرفَتَه وقُربه وصَداقَتهُ وإخائه ..

هو أخي العزيز (مُحمد عبد المحمود) الذي أرسليلي هذا "الإيميل" ..
قال الجُندي لرئيسه "صديقي لم يَعُد من ساحَةِ المعركة سيدي ، أطلبُ منك الذهاب للبحثِ عنه"
قال الرئيس "الإذنُ مرفوض"وأضافَ قائلاً "لا أريدُكَ أن تُخاطِر بحياتِك من أجلِ رجُلٍ من المُحتَمل أنه قد مات"
ذهب الحُندي دونَ أن يعطي أهمية لرفضِ رئيسه ، وعاد بعد ساعة وهو مُصاب بِجُرحٍ مُميت حامِلاً جُثة صديقه ، الرئيس مُعتَزاً بِنفسه قال للجُندي "لقد قُلتُ لكَ أنه قد مات ، قُل لي أكانَ يستَحِق مِنك كُل هذهِ المُخاطَرة للعُثور على جُثَتِه" ؟!!
أجابَ الجُندي وهو يحتَضِر "بِكُلِ تأكيد سيدي ، عِندما وجَدتُه كانَ لا يَزال حياً ، واستَطاع أن يقول لي ، كنتُ واثِقاً بأنكَ ستأتي"
ثم خُتِم "الإيميل" بـ [ .. الصديق هو الذي يأتيكَ دائماً حتى عِندَما يتخلى الجميع عنك .. ]
فتحت لي هذه الرسالة بوابة ذكريات منذ بدايات نشأتي في السودان وحتى هذه اللحظة التي أكتُبُ فيها هذا المقال فقد مرت علي صُنوفُ الناس بأشكالِها وألوانِها فاستفدتُ من كُلِ واحِدٍ منهم فائدةً لا أعلمُ كيفَ أجزيهِ بها !
وقد كتبتُ منذ زمن في هذه المدونة عن العزيز (عمرالدوسري) الذي فارقنا في بدايات الدرب ، ولكن ربي فتح له درباً آخر ويسره عليه فـ له الحمدُ والمنة ..
ولعلي هُنا أودُ ذِكرَ من عرفت في هذهِ البلاد أو بلأصح ذِكر من صادقت وآخيت وكانوا لي خيرالأصدقاء وخير الإخوة ..

لعلي أبدأُ بـ(خالد أسامة) .. هذا الرجل الذي لا أعرفُ حقيقةً كيف أجزيه حقه !
فقد كانَ أول من عرفت وصادقت وهو الذي أنقذني في أولِ يومٍ لي في الجامعة وأنا حديثُ عَهدٍ بها بعدأن أتاني آتٍ قام بطردي من الغرفة التي أُنزِلتُها لأنها غُرفَته !
فمضينا الدربم عاً مستكشفين الأرجاء ، فأولُ خطواتي في ماليزيا كانت معه ومع (أحمد أبو زيد) الذي أفزع قلبي في أولِ لقاءٍ لي معه ، فقد كُنتُ واقِفاً أحادِثُ (خالد) فإذا بي أرى رجُلاً أبيضَ اللون تغلبُ عليهِ الحُمرة ، أشقَرُ الشَعرِ طويله ، أزرقُ العينين ، يَقِفُ وينظُرُ إلينا ، كنتُ على وشك أن أقول لـ(خالد) "أيش يبغا ذا" ؟! ولكن الحمدُ للهِ أني لم أنطق بها لأنه باغَتَني بِكَلماتٍ عربية تخرجُ من لِسانٍ أعجمي !!

(ياسر الشايب) .. "حبيب قلبي" ، هذا الرجُل الذي عرفتُ منه بعد صداقة متينة جمعتني به ولا زالت ولن تزال بإذن الله أنه كان يُبغِضُني أشدَّ البُغض في أولِ أيامِنا مع أني لم أكُن أحمِلُ له في قلبي شيئاً ! صدقَ من قال "ما محبة إلا بعد عدواة" !!
(ياسر) الصديق الصدوق ، الذي أُسِرُّهُ ولا أُسِرُّ غيره ، الذي أجالِسهُ فـ أضحك وأنُاقِش وأعرف الـ"شمار" !
لا توجدُ كلمات تصفُ حبي لهذا الرَجُل هو وخالد فهما كالعينين في الرأس ..

(محمد الغرباوي) .. التقي النقي ، أبيضَ القلب كـ اللبن ، ما عرفه أحد ولا جالسه أحد إلا تعجب من طيبةِ قلبه ونقاء سريرته ، فواللهِ أن قلبه كـ قلب الأطفال يحمِلُ بين جَنَباتِ صدرِه برائة لم أعرف لها مثيل !
تعرفتُ عليهِ في أعجبِ مكان وأغرَبِ مكان قد يخطُر على قلب ، فقد تعرفتُ عليهِ أمام "حمام" الطائرة !!
وعندما تعرفتُ عليهِ فيما بعد كتبتُ اسمه في هاتفي بـ"محمد الدورات" حتى أتذكر !!!

(عبد القادر تاج الدين) .. أو كما يسميه أهلُ تخصصه وطُلابُ كُليَتِه "الماستر" ، الرجل النابغة كما يَقولُ عنه بعض الشباب ، يحب العلم ويسعى للنقاش والمعرفة ، لا أنسى له أبداً أولُ عيدٍ لي في ماليزيا ، فقد دعاني أنا وخالد لـ إفطار العيد في بيته ، فحملتُها لهُ جميلاً لا أنساه ، فقد كانت المشاعِرُ مضطربة حينها ، غربَةٌ وعيد لا يجتَمِعان ، فأسألُ مولايَ أن يُكرِمُه كما أكرَمنا ذاك اليوم وأن يطمئنه كما طمئن فؤادي ذاك اليوم !

(أحمد سيد) .. وهُنا أقِفُ وقفَةَ شُكرٍ وامتِنانٍ لا مثيل لهُما ، فـ لهذا الرَجُل فضلٌ علي لا أُحصيله عَدَدا ، ففي كُل مُلِمة تَلُمُ بي في الجامعة كانَ هو أولُ من يَهِب ويمدُ لييدَ العون ، وفي كُلِ مرة أنكَسِرُ فيها كان يُقَوِمُني ويَشُدُ أزري ، فكانَ هوالـ مؤازر الحقيقي لي .. فلا أنسى له أفضاله علي أبداً ما حييت ، ولا أنسى له ولِـ عبد القادر إفطارَهما الرَمَضاني ، حيثُ يجمَعونَ الشباب على مائدة الأخوة والمحبة ..

(رافِع القيسي) .. أو كما يُسميه البعض "الصغير" ، صغير الحجم كبير العقل والهمة ، عندما رأيتُه أول مرةٍ مع عبد القادر أخذتُ عنه انطِباعاً بأنه مهملٌ فارغ ، وما ان تعرفتُ عليهِ وجالسته حتى نَدِمتُ على ذاك الإنطِباع وأنبتُ نفسي عليه شديد التأنيب ، رافع الغُلام شكلاً ، الرَجُل مَخبَراً ، الحكيمُ عقلاً ، "العربجي" أحياناً ، المُثقف دائماً !
تشكيلة غريبة يحويها في صدره ولكل مما يحويه طعمٌ خاص !
تطولُ القائمة وتَكثُرُ الأسماء ولكني سأختِم بهذا الطيب ..

(عبد الله با مُعس) .. رجلُ سكنتُ معه قُرابَةُ السَنَتين ، كان لي أخاً وصديقاً ، أباً ورفيقاً ، لا يطمئن له قلب إلا إن رآني أتبسم ، وكلما ألم بي مرضٌ ما أحسستُ بِه وكأن بهِ ذاتُ المرض لفرطِ قلقه ، قدم لي كل ما بوسعه وزيادة وأظلني تحت مظلة كرمه وحبه !
تطولُ القائمة ولكن هؤلاءِ هم جوهَرُ القلبِ وريحانه ، فـ شُكراً لكم أيها الأحبة على أنكم أنتم ، أنتم .. !






